للنساء فقط

القرآن الكريم

كل ما يخص القرآن الكريم من تجويد وتفسير وكتابة, القرآن الكريم mp3,حفظ وتحميل واستماع. تفسير وحفظ القران,القران الكريم صوت,ادعية و اذكار يوجد هنا قراءة القرآن أدعية أذكار شريفة و أحاديث إسلامية,القران الكريم قراءة,انشطة حفظ القرآن الكريم و التفسير و التجويد,تنزيل القران الكريم على الجوال,القران الكريم بصوت احمد العجمي.

نسخ رابط الموضوع
https://vb.3almc.com/showthread.php?t=28354
247 2
06-02-2022
#1  

افتراضيتأملات في سورة التين



هذه السورة هي سورة التين، والمشهور وبعضهم يذكر أنه لا خلاف أنها مكية ، ثم موضوع السورة يؤيد أنها مكية .


* أقسم الله تعالى بالتين والزيتون لما فيهما من الخواص الغذائية .

وهذا قول للسلف ، أن قسم الله – عز وجل – بهاتين الفاكهتين : التين والزيتون .

وهناك قول آخر ، هو للسلف – أيضاً – وهو أن التين والزيتون لا يُراد بهما ذات الفاكهة والنبات المعروف ، وإنما في ذلك إشارة إلى مكان نباتهما وخروجهما . وهما ينبتان في بلاد الشام ، وبعضهم يُحدد يقول: دمشق وفلسطين وكلها من بلاد الشام .


والآية تشير إلى هذا المعنى :
أنها تشير إلى بلاد الشام لكونها موطناً لبني إسرائيل أو لأنبياء آخرين ، لكن أنبياء بني إسرائيل بالدرجة الأولى .



وهذا القول الثاني ، وأن الآية تشير إلى مكان الشام يُؤَيد بأن الله تعالى ذكر بعد


ذلك أماكن فقال : )وَطُورِ سِينِينَ*وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (، إذن هذا القول الثاني يترجح .



* يقسم الله تعالى بثلاثة أماكن هي من أطهر بقاع الأرض التي خصّها الله تعالى بإنزال رسله وأنبيائه دون سائر بقاع الأرض .

فبيت المقدس :

بعث الله‏ تعالى‏ فيه عبده ونبيه ورسوله عيسي بن مريم‏‏ عليهما السلام‏ .

وطور سينين :

كلم الله‏‏ عز وجل‏ عنده عبده ونبيه ورسوله موسى بن عمران‏ عليه السلام‏ .

ومكة المكرمة :

زارها معظم أنبياء الله ورسله‏ ومدفون بها عدد كبير منهم‏ ،‏ ثم بعث الله‏ فيها خاتم الأنبياء والمرسلين‏ محمد صلى الله عليه وسلم‏ .

وفيها إشارة إلى ترابط النبوات وأن الأنبياء إخوة كما قال النبي عليه الصلاة والسلام :
( الأنبياء إخوة من علّات وأمهاتهم شتى ودينهم واحد ) أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.




*القسم بالبلد الأمين ليس إشارة إلى محمد صلى الله عليه وسلم المبعوث في البلد الأمين
فحسب ، وإنما إشارة إلى إبراهيم أيضاً وأن محمداً هو مجدد ملة إبراهيم ومحيي دينه .



فيمكن أن نطبق قاعدة أخرى مرت علينا وهي :


أن الآية تُحمل على المعنيين ، ما دام ليس بينهما اختلاف ، فنقول:

إن الله تعالى أقسم بالتين والزيتون ذلك النبات المعروف ، وهي أيضاً متضمنة القسم بالإشارة

إلى أماكنها وأماكن خروجها .

فلا مانع أن يكون القسم في الأصل بالنبات ، لكنه يُشير إلى المكان الذي يخرج فيه



*******************



* جاء ذكر الزيتون وزيته في سبعة مواضع مختلفة من كتاب الله‏,‏ منها القسم

به مع التين في مطلع سورة التين‏,‏ وشجرة الزيتون شجرة مباركة وكذلك ثمرتها‏,‏ فهي شجرة معمرة قد تعيش لأكثر من ألف سنة‏,‏ وتعتبر من أهم نباتات الزيوت‏,‏ ويعتبر زيتها من أصح الزيوت



* )سِينِينَ (ليست كلمة عربية وهي طور سيناء في مصر ، وردت في القرآن باسمين سيناء

)وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآَكِلِينَ ([ المؤمنين : 20]



ووردت طور سنين وهي فيها اسمان يذكر أهل اللغة المحدثون أن هذه فيها لغتان :
سيناء وسنين :


وهو جبل المناجاة الذي أنزلت فيه التوراة على موسى‏ عليه السلام‏ ،‏ وقد ذكره ربنا تبارك
وتعالي في اثنتي عشرة آية من آيات القرآن الكريم :




‏(‏ البقرة‏:93,63,‏ النساء‏:154,‏ الأعراف‏:171,143,‏ مريم‏:52,‏ طه‏:80,‏ المؤمنون‏:20,‏ القصص‏:46,29,‏ الطور‏:1,‏ التين‏:2),‏ وسميت باسمه إحدي سوره‏ (‏ سورة الطور‏) .



*******************



* جواب القسم )لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (.

الإنسان ، هنا يُراد به الجنس ، فإذا كان كذلك فإنه يشمل المسلم والكافر ، خلق الله تعالى الإنسان في أحسن تقويم ، يعني : في أتم خلق .



فالتقويم هنا يراد به الخلق ، يعني أن الله تعالى جعل خِلْقَته قيّمة , على أتم حال .

كلام نفيس لابن القيم حول أحسن تقويم تجده في كتابه الماتع : مفتاح دار السعادة ، فإنه عقد

مبحثاً لخلقة الإنسان وأنها في أحسن تقويم .



* ما المراد بقوله : )أَسْفَلَ سَافِلِينَ(، وهل هذا في الدنيا أو في الآخرة ؟

المسألة فيها قولان مشهوران :

1- فقد قيل إن الآية تتكلم عن الإنسان في الدنيا ، خلقه في أحسن تقويم في الدنيا , ثم رده أسفل سافلين في الدنيا .



قالوا: إن المراد بأسفل سافلين في الدنيا أنه يُرَدُّ إلى أرذل العمر, فيفوته كثير من حسن تقويم الخلقة الأولى ، بحيث تفوته قوته الأولى ، فبدلاً من كونه – مثلاً – يمشي قائماً ، لا يستطيع ذلك ، وغيرها .

2- إن الآية الكريمة لا تتكلم عن حاله في الدنيا ، بل تتكلم على حاله في الآخرة ، وذلك أن الله
تعالى يردُّه أسفل سافلين في النار فيما لو اختار الكفر.



وقالوا: إن أسفل سافلين تعبير يُراد به : دركات جهنم أن الله تعالى يرده في هذه الدركات .

الأقرب : والله أعلم هو القول الأول ، وأن الله تعالى رده إلى أسفل سافلين أي رده إلى أرذل العُمُر، بحيث فاته شيء كثير من قوته ومن نشاطه وذاكرته ، هذا هو الأقرب والله أعلم .


وهذا الذي رجحه شيخ المفسرين بالأثر ابن جرير – رحمه الله – فقد رجح

هذا واعتمده ، وهو مروي عن السلف كابن عباس وغيره .

أما ابن القيم – رحمه الله – فإنه اختار القول الثاني وأن ردّه أسفل سافلين يعني

بذلك في النار .



*******************



* )إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (.

هذا استثناء من الكلام السابق ، يبين لك ارتباط )إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ (.
على القولين :


1- على قول من فسر )أَسْفَلَ سَافِلِينَ( بالكفر يكون المعنى : استثناء ، وأن الذي آمن وعمل الصالحات لا يُرَدُّ أسفل السافلين .

2- على القول الثاني : أن الذي يُرد إلى أسفل السافلين هو الرد إلى أرذل العمر، أن عمله لم
ينقطع بل نقول إن أجره لم ينقطع, لأن الله تعالى قال : )فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (




* أقوال ثلاثة عبّر بها السلف معنى ممنون :

يعني : 1- منقوص 2- محسوب 3- منقطع ،

هذه المعاني الثلاثة لنا أن نطبق عليها القاعدة : إن الأقوال غير المتعارضة تُحمل على الجميع .

فنقول : أجرٌ غير منقوص, وغير محسوب أيضاً, ومن باب أولى غير مقطوع .



* )إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ(.



هؤلاء لا يردون إلى أسفل سافلين، هؤلاء في أعلى عليين في الدنيا والآخرة لذلك قال بعض
العلماء :
المؤمن لا يشيخ أبداً، يضعف جسمه ، وينحني ظهره ، ويضعف بصره ويشيب شعره،
ولكنه لا يشيخ، لأن هدفه كبير، وعزمه متين .




* نستفيد من تنكير الأجر في قوله تعالى : )فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (.

الكثرة والعموم والسعة فإن أجر الله غير منقطع .



*******************



* في قوله تعالى : ) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ( .

ما بمعنى الذي الموصولة ، استفهام الغرض منه التهديد والإنكار .

يعني ما الذي يحملك على التكذيب ما دُمت عرفت أن الإنسان خُلِق في أحسن تقويم ، وأن
أجره مستمر .




ومما يُستفاد من قوله : ) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (انقطاع حجة المكذبين بيوم القيامة .



* الحكمة من الحديث عن اليوم الآخر بعد الأجر لأنه يدفع للعمل الصالح ففي ذكر

اليوم الآخر وأن الإنسان سيبعث بعد موته ويحاسب على كل كبيرة وصغيرة ، ففيه ترغيب

للعمل الصالح وترهيب من عمل السيئات .





* ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (

هذه الآية ، ما أعظمها من آية، وما أبردها على قلب المؤمن حينما يتأمل معناها ،

) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( ،الذي يضع الأمور في مواضعها الصحيحة ،

وقوله تعالى : )بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( .



1- لنا أن نقول إنها مأخوذة من الإحكام ، يعني أن الله سبحانه وتعالى أحكم كُل شيء أنه أتقنه .

2- ولنا أن نقول إنها مأخوذة من الحكمة وهي وضع الأشياء في مواضعها .


فالله تعالى أحكم الحاكمين:
الذي أتقن الأشياء اتقاناً تاماً, لا مدخل لمعترضٍ عليه ، وكذلك :


هو أحكم الحاكمين من جهة الحكمة ، حيث وضع الأمور في مواضعها ،

أعطى في موضع العطاء, ومنع في موضع المنع ، وهكذا .


*******************


* يقول الإمام ابن باز رحمه الله : جاء فيه حديث ضعيف أنه -صلى الله عليه وسلم-

كان إذا قرأ ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( ، قال : بلى.

وأنا على ذلك من الشاهدين ، وإذا قرأ : ) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ( .



) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (، آخر المرسلات ، قال : آمنت بالله وبرسله ، آمنت بالله وما أنزل

، وإذا قرأ آخر القيامة : ) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى ([ القيامة : 40]

قال: سبحانك بلى. ولكنه ضعيف إلا ما ورد في القيامة ، فهو ثابت عند قوله تعالى:

)أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَن يُحْيِيَ الْمَوْتَى ( ، يقال: بلى ، سبحانك بلى. هذا مشروع، أمَّا عند آخر
سورة التين، والمرسلات، فهو ليس بمحفوظ .




جعلنا الله من المتدبرين لكتابه العاملين به



,,,,,,,,,,,,,,,,,,,




دلالات تربوية على سورة التين


ترمز ثمرة التين إلى نوع من الفاكهة طيب وشهي ومفيد لكنه سرعان ما يفسد، وفي إشارة قرآنية لطيفة إلى الفطرة السليمة التي خلق الله تعالى الناس عليها فلا تتبدل ولا تتغير، يقول المولى سبحانه ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (كل مولود يولد على الفطرة) [1] ألا وهي الإسلام، بيد أن هذه الفطرة قد تظل ثابتة كما هي لا تتبدل أو تتغير، وقد يعتريها ما يعتري ثمرة التين من الفساد والعطن فتفسد، وهنا ترمز السورة للفطر السليمة والفطر التي تفسد بمرور الزمان، فتصورهما بنبتين ومكانين، فأما النبتين فهما التين والزيتون، و أما المكانين فهما طور سيناء ومكة المكرمة.

وتذكر الإنسان بأصل نشأته التي خلقه الله تعالى، حيث قومه فأحسن تقويمه، لكنه لم يلبث على هذا الحال كثيرا، فسرعان ما عصى آدم ربه فغوى، فظهرت سوأته وهبط إلى الأرض، إلى أسفل سافلين، حيث شارك الحيوانات شهواتها ونزعاتها، ولكن الله تعالى استثناءه من الاسترسال في الغواية بالمغفرة والتوبة، فصعد بذلك إلى أعلى عليين، فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقرأ والتين والزيتون في العشاء وما سمعت أحدا أحسن صوتا منه أو قراءة [2]، وكل ذلك لا يخرج عن قضاء الله وحكمه سواء أكان ذلك كونا أو شرعا، وعلى المرء أن يسلم لحكم الله تعالى بلا تعقيب.

قوله تعالى ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ * وَطُورِ سِينِينَ * وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾ [التين: 1-3]

الآية (1) قوله تعالى ﴿ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ ﴾:
التين من الفواكه التي لا تلبث حتى تفسد، ويصعب حفظها، ويمكن أن نرمز لمن يبدل دينه أو أن ينتكث عن فطرته السليمة بتلك الفاكهة الطيبة، التي تتغيير وتتبدل هيئتها من الطازجة إلى الفاسدة في وقت قصير، ومن ثم ذكر بعض العلماء أن القرآن الكريم يرمز إلى تغير الفطرة بالتين، يقول الإمام البقاعي: (ولما كان التين أحسن الفواكه تقويماً فيما ذكروا من فضيلته...فكان جامعاً لجميع منافع المتناولات من الغذاء والتفكه والتحلي والتداوي...، مع أنه ينتفع به رطباً ويابساً، فهو مع ذلك في سرعة فساده وسوء تغيره أسفلها رتبة وأردؤها مغبة، فهو كالفطرة الأولى في مبدئه سهولة وحسناً وقبولاً لكل من الإصلاح والتغير، بحيث إنه لا ينتفع بشيء منه إذا تغير، وغيره من الفواكه إذا فسد جانب منه بقي آخر )، قال تعالى ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ... ﴾ [الأعراف: 175-176]، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء [3]هل تحسون فيها من جدعاء [4]) [5]، يقول أبو هريرة تعليقا على هذا الحديث اقرؤا إن شئتم ﴿ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30] [6].

ونحن نعلم أن بني إسرائيل نجاهم الله تعالى من عذاب فرعون حيث كان يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم حتى جاءهم موسى لينقذهم من عذابه ﴿ قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 129]، لكن لما نجاهم الله تعالى سرعان ما تبدلت فطرتهم، فبعد أن كانوا يلتفون حول موسى كزعيم لهم لينقذهم من عبادة فرعون فإذا بهم يشتغلون عنه، ويثورون عليه ليتمنون لأنفسهم عبادة الأصنام بدلا من عبادة الله وحده (﴿ وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ * وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾ [الأعراف: 137-139]، بل إن الأعجب من ذلك أن يعبدوا عجلا له خوار بدلا من يتوجهوا بقلوبهم لرب العالمين بإخلاص ﴿ وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ ﴾ [الأعراف: 148].

وفي المقابل نجد صورة الثبات على الحق في ثمرة الزيتون حيث يرمز الزيتون إلى ثبات الهيئة وعدم تغير الحال، فهو خير إدام ينتفع به الناس كمؤنة لفترات طويلة من الزمان، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة) [7]، يقول الإمام البقاعي: (ولما كان الزيتون في عدم فساد يطرقه أو تغير يلحقه، وهو إدام ودواء مع تهيئه للنفع بكل حال.. وغير ذلك من المنافع... كالمؤمن)، ولذلك مدح المولى سبحانه شجرة الزيتون وضرب بها المثل على الهدى والنور، فقال سبحانه ﴿ اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونِةٍ لَّا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُّورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاء وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ﴾ [النور: 35]، انظر كيف يستمد النور من الزيتون، بل ويعكس الزيتون نوره على وجه المؤمن، حيث يزيده نضرة على نضاره، قال الدكتور النابلسي: أن البحوث العلمية الصحيحة التي ظهرت قبل سنوات أكدت أن زيت هذه الشجرة وقودٌ للإنسان بكلِّ ما تعنيه هذه الكلمة من معنىً، ففي كلِّ غرام من زيت الزيتون ثمان وحدات حرارية، تعدُّ طاقةً مثلى للإنسان، قال علماء التغذية: الحوامض الدهنية نوعان؛ مشبعة وغير مشبعة، فالمادةٌ الدسمة المشبعة تبقى عالقةً في الدم، وربما تراكمت على جدران الشرايين، فسببت تضيُّقها، وسببت تصلُّبها، وسببت ضعف القلب، فالمواد الدهنية المشبعة ضارةٌ بالإنسان، أما المواد الدهنية غير المشبعة فهي تتوازن حينما تلتهم بقية الأنواع الدُهنية، وقد وصف العلماء زيت الزيتون بأنه حوامض دهنيةٌ غير مشبعةٍ تفيد الجسم، وتمنع الترسبات الدهنية في جدران الشرايين الدموية، لذلك ينصح الأطباء أن يتناول الإنسان ملعقةً من زيت الزيتون كلَّ يوم، يقي بها تصلُّب الشرايين، ويعالج يها تصلُّب الشرايين، وهذا الزيت يطلق البطن، ويسكِّن أوجاعه، ويخرج الدود، وأغلب الأدهان الحيوانية غير زيت الزيتون يزعج المعدة إلا زيت الزيتون، وهو مقوٍ للثة والأسنان، ملينٌ للجلد، وذلك بعكس الحوامض الدهنية المشبعة الموجودة في أكثر الزيوت الحيوانية [8].

الآية (2) قوله تعالى ﴿ وَطُورِ سِينِينَ ﴾:
كما آشارت الآيات إلى أنه رغم أن الأصل أن الفطر سليمة لكن يتبدل الدين كما حدث بطور سنين، فهذه البقعة المباركة التي تجلى الله فيها لجبل الطور فخر دكا، وفيها أنزلت التوراة على موسى عليه السلام، وعليها كلمه الله تعالى تكليما، قال سبحانه ﴿ فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾ [القصص: 30]، وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - (أنذرتكم المسيح وهو ممسوح العين قال أحسبه قال اليسرى يسير معه جبال الخبز وـنهار الماء علامته يمكث في الأرض أربعين صباحا يبلغ سلطانه كل منهل لا يأتي أربعة مساجد الكعبة ومسجد الرسول والمسجد الأقصى والطور) [9]، يقول الإمام البقاعي ( ولما كان مع ذلك مشاراً بهما إلى مواضع نباتهما وهي الأرض المقدسة من جميع بلاد الشام إيماء إلى من كان بها من الأنبياء والتابعين لهم بإحسان لا سيما إبراهيم عليه الصلاة والسلام.. ومن بعده أولاده الذين طهرها الله بهم من الشرك وأنارها بهم بالتوحيد، وختمهم بعيسى عليه الصلاة والسلام )، فهناك علاقة وثيقة بين طور سيناء وشجرة الزيتون، وقد أكدها القرآن في قوله سبحانه ﴿ وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاء تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ ﴾ [المؤمنون: 20]، وهو ما يلفت النظر إلى استعانة أهل الشام بهذه الشجرة حتى يتقووا بها على عبادة الله تعالى.

وبالرغم مما تقدم، ورغم قدسية المكان، فإن أهل المعصية لم يراعوا ذلك، ففي هذا المكان أيضا عبد بنو إسرائيل العجل، فالناظر في هذه الأرض المباركة ورغم أنها كانت مهبط الوحي وأرض الرسالات السماوية ومبعث الأنبياء، وكما كلم الله عليها موسى تكليما إلا أن الناس بعد ذلك قد تناسوا هذه الحقيقة فبدلوا الدين وسمحوا لأهل المعاصي أن يدنسوا تلك الأرض المباركة، لذا فإن الله سبحانه يشبه فساد صنيعهم بفساد ذلك التين بعد نضوجه لا ينفع بشيء، كما أن أرض طور سيناء أضحت ذكرى لأولئك الصالحين، ثم هي تتداول بين أهل الفسق والفجور أو الكفر والعصيان، فأين الإيمان الذي بدأ بها ؟ تبدل فنزل هذا الحال بالإنسان إلى أسفل سافلين، حيث ينزل الإنسان بعبادة العجل إلى مرتبة أقل من البهائم التي لا تزال تسبح لله تعالى، ﴿ تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا ﴾ [الإسراء: 44]، فدنسوا الأرض المقدسة بتلك المعصية، يقول الله سبحانه (﴿ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴾ [البقرة: 51]، فلما فعل أهل المعاصي ما فعلوا وبدلوا الدين الذي جاءهم حل عليهم العذاب فكانت تلك الأرض رغم أنها كانت من قبل أرض بركة ومهبط الوحي والرسالات أضحت بعد هذه المعصية أرض لعنة وعذاب لأولئك العصاه، يقول المولى سبحانه ﴿ إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ ﴾ [الأعراف: 152]، وقد كتب الله تعالى على بني إسرائيل التيه في هذه الأرض أربعين سنة عقابا لهم، إذ قال سبحانه ﴿ قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ﴾ [المائدة: 26]، فالعبرة ليست بالبلد بقدر الاعتبار بصلاح أهلها أو فسادهم.

الآية (3) قوله تعالى ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾:
كما أشارت الآيات إلى مركز وأصل الفطرة السليمة ورسوخها إلى يوم الدين (مكة المكرمة)، فحكمة الله تعالى ومشيئته ارتضت أن تجعل في الأرض مركزا دائما للإيمان لا يتغير ولا يتبدل، هذا المركز خصه بالأمن والإيمان وذلك حتى يكون بقعة مباركة يأوي إليها الناس في أوقات ينتشر فيها الظلم والاضطهاد، حيث يود العبد أن يستشعر بعضا من السكينة والإيمان خروجا من هذا الظلم والطغيان، فهذا البلد هو أمين على الدعوة الإسلامية الصحيحة، ففيه من الهدى والآيات البينات ما يحق معه وصفه بالبيت الأمين، يقول المولى سبحانه ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ، فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ ﴾ [آل عمران: 96- 97] هذا المركز الإيماني خصه الله تعالى بهذه الفضيلة في الوقت الذي انتشر الظلم من حوله، يقول سبحانه ﴿ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ ﴾ [العنكبوت: 67].

إذ لا شك أن أكثر مكان يُعبد فيه الله على وجه هذه الأرض تلك البقعة المباركة، وهذا البلد الطيب الذي استجاب الله تعالى فيه دعوة نبيه إبراهيم عليه السلام، قال سبحانه ﴿ وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هََذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ.. ﴾ [البقرة: 126]، فكان الخير والرزق والأمن والإيمان في هذا البلد إلى يوم القيامة بإذن الله تعالى، وقد شملت دعوته أن تهوي قلوب المسلمين إلى هذا البلد كي تجدد العهد مع الله تعالى، فتحجه وتقصده عاما بعد عام وتعمره في كل وقت، يقول سبحانه ﴿ رَّبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ الصَّلاَةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ﴾ [إبراهيم: 37]، فمن الضروري أن يكون للمسلمين مركزا إيمانيا لا يتغير أبدا ولا يتبدل يسترشدون به ويهتدون إليه في وقت تتغير فيه كثير من الأمور وتتبدل فيه كثير من الأحوال إلا دين الله تعالى الذي لا يتبدل ولا يتغير وخير شاهد على ذلك تلك البقعة المباركة، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - (إن الإسلام بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ وهو يأرز بين المسجدين كما تأرز الحية في جحرها) [10]، قال النووي (أى مسجدى مكة والمدينة) [11]، فمهما كثر الظلم فإن الإيمان له مركز يشع نوره، ويملأ الأرض بالإيمان من حوله، تماما مثلما وصف القرآن شجرة الزيتون إذ يكاد زيتها يضيء ولو لم تمسسه نار، نور على نور، فهي تضئ النور لمن حولها دون أن يصيبها عطب أو فساد.

قوله تعالى ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ، فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ * أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾ [التين: 4-8]


الآية (4) قوله تعالى ﴿ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ﴾:
الله عز وجل يصرح بأصل الفطرة بعد أن كنى بها، ويؤكد بأنه سبحانه أحسن في خلق الإنسان، وأحسن تقويمه، فهداه إلي الفطرة السليمة، التي فطر الناس عليها جميعا بلا استثناء، قال سبحانه ﴿ فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ [الروم: 30]، حيث تتمثل هذه الفطرة في دين الإسلام، ﴿ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ﴾ [آل عمران: 19]، الذي هو صبغة الله التي صبغنا بها يقول سبحانه ﴿ صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ ﴾ [البقرة: 138]، والصبغات لا تتبدل ولا تتغير إلا بمشقة، والعجيب أن تتبدل هذه الصبغة بيسر، فإذا تبدلت، فإن ذلك يعد أشد انتكاسة للفطرة حينما تصطبغ بغير صبغة الإسلام، قال سبحانه (﴿ وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴾ [آل عمران: 85].

كما أن في ذلك دلالة على أن الإنسان لا ينقصه شيء من المكنات والإمكانيات ليتحمل ابتلاء الله تعالى له، وهو ما يعبر عنه الشيخ الشعراوي بقوله (مجموع كل الإنسان يساوي مجموع كل إنسان آخر، فإذا كنت أحسن من إنسان في شيء فابحث عن نقص فيك) واستطرد قائلا: (فساعة ما الإنسان يرى أعمى ومتعثراً، نقول: .. أنت نظرت لهذه العاهة ولم تعرف ماذا عوضه عنها.. ولو نظرت إلى ما عوِّض تقول: هو أعطاه أحسن مما أخذ منه،..وتيمور لنك الذي دوخ الدنيا كان أعرج.... شاخت واضع الاقتصاد الألماني عندما ذهب للجيش الألماني ليجنّد لأنَّ رجله معطوبة - معاق - لم يقبل، لكنّه قعد يدرس.. قال: إن الحرب سوف تتعب ألمانيا اقتصادياً فوضع النظام الاقتصادي لما بعد الحرب - نظام شاخت - وعندما انتهوا من الحرب وحدث لهم ما حدث فيها.. ابتدأ النظام الاقتصادي، انظر بعدما انهزموا في سنة ألف وتسعمئة وسبع عشرة عبّدوا الدنيا في سنة ألف وتسعمئة وتسع وثلاثين بسبب النظام الاقتصادي، إذاً كلّ مسلوب نعمة من النعم التي هي عامّة لهؤلاء الناس - معوّض شيئاً - ولكننا لا نفتش على العِوض وننظر فقط لهذه العاهة، .. ولذلك يقول لك: مركّب النقص وسيلة الكمال الاجتماعي أي مركّب النقص في شيء يحاول إبرازه في شيءٍ آخر، يقول سبحانه ﴿ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ [سورة الزخرف: 32].

وقال عامة المفسرين، قال ابن العربي: ليس لله تعالى خلق أحسن من الإنسان، فإن الله خلقه حياً عالماً قادراً مريداً متكلماً سميعاً بصيراً مدبراً حكيماً، وهذه صفات الرب سبحانه، وعليها حمل بعض العلماء قوله - صلى الله عليه وسلم -: « إن الله خلق آدم على صورته » [12] يعني: على صفاته التي تقدم ذكرها [13]، وقال - صلى الله عليه وسلم - (لا تقولن قبح الله وجهك ووجه من أشبه وجهك فإن الله عز وجل خلق آدم - صلى الله عليه وسلم - على صورته) [14]، فهذا التعبير "على صورته" لا يقتضي مماثلة الصورة للصورة، ولا الصفة للصفة، قال تعالى ﴿ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ﴾ [الشورى: 11]، ويدل على ذلك قوله - صلى الله عليه وسلم -: " إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أضوء كوكب في السماء "[15]، ومعلوم أن هذه الزمرة ليست مماثلة للقمر" [16]، والمعنى المطلوب للفهم هو أن الله تعالى خلق آدم على صفة الرحمن، فخصه من بين المخلوقات بأن جعله جامع للكثير من صفات الله تعالى لا على وجه المطابقة أو المماثلة ولكن من حيث جنس الصفة، فجعله سميعا بصيرا موصوفا بالحكمة والقوة والقدرة على الغضب والرضا إلى غير ذلك من الصفات، وهو الأمر الذي له معنى دلالي هام، ألا وهو حب الله تعالى لعباده، ولذلك قسم لهم من الصفات الربانية ما يجعلهم أهلا لحمده سبحانه وتوحيده بإخلاص رغم ما ابتلاهم به من نزعات حيوانية وأخرى عدوانية، حيث يُعبِّد المسلمُ مشاعرَه وشهواته وأهواءه لله تعالى، فعن عبد الله ابن مسعود رضي الله عنه قال إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم بينكم أرزاقكم،وإن الله يؤتي المال من يحب ومن لا يحب،ولا يؤتى الإيمان إلا من أحب،فإذا أحب الله عبدا أعطاه الإيمان فمن ضن بالمال أن ينفقه وهاب العدو أن يجاهده والليل أن يكابده فليكثر من قول لا إله إلا الله والله أكبر والحمد لله وسبحان الله [17].

الآية (5) قوله تعالى ﴿ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾:
و هنا يبدأ المولى سبحانه بتذكير الإنسان بأول خسران له، وذلك عندما عصى أدم ربه، وكلنا يعلم أن آدم أسكنه الله تعالى الجنة، وجعله بها حتى وقت وقوعه في غواية الشيطان، فلما عصى آدم ربه بأكله من الشجرة رده الله إلى الأرض التي خلق منها، فنزل من الجنة إليها، قال سبحانه ﴿ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾ [البقرة: 36]، ولم ينعم بالاستقرار الحقيقي، حيث ظلت العداوة بين الآدميين إلى يوم القيامة، ﴿ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ﴾، وإنما كانت مستقرا ومتاعا من حيث ما يطلبه بنو آدم لأنفسهم من السعي لطلب الرزق، فمهما سعي الإنسان وعانى من المشقة ما عانى كان تحصيله للرزق والمتاع لا يتجاوز ما قضاه الله تعالى وقدَّره ﴿ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ ﴾ [البقرة: 36].

فالآية التي نحن بصددها تشير إلى أن النفس البشرية لما تدنست بفعل المعصية كان جزاؤها الهبوط إلى مكان تتشبع فيه الأجساد من المادة بيد أنها لا تشبع، ﴿ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ﴾، قال تعالى ﴿ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ ﴾ [الأعراف: 22]، فالذي حمله على الأكل من الشجرة المحرمة هو استشعار الحاجة إليها، وعدم تذكر أن الله تعالى أغناه عنها بإحسان خلقه له، وأنه لم يكن بحاجة إليها لو نفذ أمر الله تعالى بالامتناع عن أكلها، لكنه لما ذاقها لم يشبع منها، وإنما ازداد جوعا وفقرا وحاجة حتى إنه لم يقدر أن يستر عورته إلا بورق الشجر ﴿ يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ﴾ [الأعراف: 26]، فكلما استجابت النفس لمتطلبات هذا الجسد دون حد أو قيد كلما سفلت ولم تزك، والعكس كذلك صحيح، وهنا يبدأ الابتلاء الذي ابتلاه الله تعالى للإنسان، حيث يقاس مدى استجابة ابن آدم لمتطبات جسده وشهواته التي أخرجته من الجنة، أم أنه سوف يأخذ على نفسه ليحملها على طاعة الله تعالى، فلا يلبي من مطلبات جسده إلا بحسب القدر الذي أمر الله به دون إسراف أو تقتير.

و في ذلك - أيضا - إشارة إلى الطبيعة المادية التي خلق منها الإنسان، فهو كائن مكون من جسد وروح، فالجسد يستمد أصل نشأته من الأرض، وله متطلبات مادية لبقائه، أما الروح فهي أمر لا يعلم كنهه وسره إلا الله سبحانه، بيد أن المعلوم عنها أنها إما أن تُزكى وتُدس، فهي إما أن تستجيب لمتطلبات الجسد دون ضابط من الشرع وهنا بلا شك سوف تهبط إلى أسفل سافلين، كما قال سبحانه ﴿ أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ ﴾ [الأعراف: 179] أو تستجيب لنداء ربها فتزكو إلى مصاف الملائكة المقربين في أعلى عليين، قال النبي - صلى الله عليه وسلم - (يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه إذا ذكرني، فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه)[18]، فلا يستقيم أن ينشغل قلب المؤمن إلا بأحدهما دون الآخر، ولم يجعل المولى سبحانه في صدر الإنسان إلا قلبا واحدا، ولذلك قال العلماء: (على المسلم أن يقطع عن قلبه جواذب الدنيا، فإن المجذوب الى أسفل سافلين لا ينجذب الى أعلى عليين وكل مهموم بالدنيا فهو منجذب إليها )[19]، وقالوا (نظرك إلى الأكوان يحطك إلى أسفل سافلين ونظرك إلى المكون يرفعك إلى أعلى عليين) [20].

الآية (6) قوله تعالى ﴿ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ﴾:
والمقصد من الاستثناء أنهم وإن كانوا بأجسادهم في دار الدنيا التي هي مهبط آدم، فإنهم بأرواحهم في ملأ عند الله تعالى مع الملائكة المقربين، كما في الحديث السابق الإشارة إليه (وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه) [21]، فالمؤمن وإن كان يعيش بجسده في حيز الدنيا والحياة الأرضية، فإنه يرقى بروحه إلى أعلى عليين في ملأ مع ربه سبحانه، فعن ابن عباس رضي الله عنهما قال (من قرأ القرآن لم يرد إلى أرذل العمر)، وذلك قوله تعالى (ثم رددناه أسفل سافلين إلا الذين آمنوا)، قال (الذين قرؤوا القرآن) [22].

والمقام هنا ليس مقام جزاء أخروي، وإنما هو مقام امتحان وبلاء، ولذلك ينصرف الاستثناء إلى الرسوب فيه، فهو مقام امتحان في دار أقل من دار، ومستوى أقل من مستوى، فإذا كان امتحانه الأول في الجنة بتنفيذ نهي واحد - وهي أرض لا يجوز فيها مجرد المعصية ولذلك سميت بالجنة مجازا - فبمجرد المعصية يتبدل الحال، والمآل، قال سبحانه (﴿ فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ﴾ [طه: 121]، فإنه بنزول آدم إلى أرض الدنيا شرع في الامتحان الثاني حيث يتنوع الابتلاء، وليتلقى آدم من ربه كلمات ليتوب عليه، وقد تلقاها وسأل الله تعالى التوبة فتاب عليه، فكان هذا الهبوط لأجل أن يدخل الإنسان في امتحان التوبة والاستغفار، قال سبحانه ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى ﴾ [طه: 122].

وهذا من قبيل تلقين آدم معنى التوبة والاستغفار، حيث تتوافر فيه المقومات والقدرات والمؤهلات لدخول هذا الاختبار، والذي فيه تشد الجواذب الأرضية الإنسان لمعصية الله عز وجل، حيث تتغير طبيعة الجسد فتزداد استعارا بالشهوات الحيوانية والقوى الغضبية والشرور النفسية، ولا فكاك للإنسان من ذلك كله إلا أن يتذكر فطرته السليمة فيقاوم شهواته ورغباته ويظل ثابتا على العهد مع الله تعالى دون أن يبدل دينه، يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - (والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) [23]، فإذا ما وقع الإنسان في المعصية، فهنا لن يطرد من الدنيا كما كان الجزاء من قبل وإنما يسمح له في تلك الدار أن يعيد تجديد العهد ليستغفر ربه فيتوب عليه، يقول العلماء ( الله يحب أن يعفو فالقصد من زلل المؤمن ندمه، ومن تفريطه أسفه ومن اعوجاجه تقويمه ومن تأخيره تقديمه والخبر مسوق لبيان أن الله خلق ابن أدم وفيه شموخ وعلو وترفع، وهو ينظر إلى نفسه أبدا وخلق العبد المؤمن لنفسه، وأحب منه نظره له دون غيره) [24]، وقالوا (ولاستلزام هذه الصفة الإلهية - المغفرة - وجود المعصية في الأفراد البشرية، والمعنى لو كنتم معصومين كالملائكة لذهب بكم، وجاء بممن يأتي منهم الذنوب لئلا يتعطل صفات الغفران والعفو) [25].

وعندما تزكو نفس الإنسان فلا شك أنه عندئذ يعد من المفلحين الفائزين، حيث ينال أجرا غير مقطوعا من قبول التوبة والاستغفار، ورضى الله تعالى عنه، وليس ثمة أجر أعظم من ذلك، فعن النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما يحكي عن ربه عز وجل قال أذنب عبد ذنبا فقال اللهم اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب ثم عاد فأذنب فقال أي رب اغفر لي ذنبي فقال تبارك وتعالى أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب اعمل ما شئت فقد غفرت لك[26]، قال العلماء ( فيه أن التوبة الصحيحة لا يضرّ فيها نقص بالذنب،.. وقوله تعالى: (فليفعل ما شاء) أي ما دام يفعل هكذا، أي مدة دوامه يفعل ذلك، وفيه إجمال بينه بقوله (يذنب ويتوب) أي فلا يتوهم منه إباحة المخالفة واكتساب الآثام [27].

الآية (7) قوله تعالى ﴿ فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ ﴾:
فيه استنكار من المولى تكذيب العصاه لقاءه، يقول ابن كثير ( فأي شيء يحملك على التكذيب بالمعاد وقد عرفت هذا ؟ أي عرفت أن من قدر على البداءة فهو قادر على الرجعة بطريق الأولى)، إن الذي حمل بني آدم على تكذيب الرسل وما أنزله الله تعالى في الكتاب الرضا بالدنيا، والخلود إلى الأرض، واستحبابها تفضيلا لها على الآخرة، يقول المولى سبحانه ﴿ إَنَّ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا وَرَضُواْ بِالْحَياةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّواْ بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ * أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمُ النُّارُ بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ ﴾ [يونس: 7-8].

الآية (8) قوله تعالى ﴿ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ﴾:
ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ﴾ [المائدة: 50]، قال العلماء (فمن ادعى أن حكم غير الله مثل حكم الله أو أحسن فهو كافر لأنه مكذب للقرآن) [28]، فإن كان الله أحسن الحاكمين وخيرهم وأحكمهم، فكيف يعرض المسلم عنه إلى غيره ؟ لذلك قال النبي - صلى الله عليه وسلم - كما ذكر الله تعالى عنه: ﴿ أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ ﴾ [الأنعام: 114]، فالناس إزاء أحكام الله تعالى الشرعية قسمين: مؤمن، وكافر؛ فمن رضيه وحكم به فهو مؤمن، ومن لم يرض به ولم يحكم به؛ فهو كافر[29]، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: 10].

قال تعالى: ﴿ ... وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ﴾ [الرعد: 41] فلا يجوز لأحد أن يعقب على أحكام الله، وذلك أن الانتقاد والتعقيب إنما يكون بسبب أمور؛ إما أن المعقب والمنتقِد أعلم من المنتقَد، سواء كان أعلم على العموم أو بهذه المسألة بالذات التي أنتقد فيها، أو لا يكون أعلم ولكن المنتقَد غفل عن نقطة معينة في حكمه جانب فيها الصواب، فينبهه المنتقِد عليها، وكل هذا منتفٍ بحق الله سبحانه، فلا أحد أعلم منه في كل الأمور جملة وتفصيلا، والله سبحانه وتعالى لا تأخذه سنة ولا نسيان ولا غفلة [30]، فكل ما قضاه كوناً أو تعبد به خلقه شرعاً فإنه لحكمة وعلى وفق الحكمة، سواء علمنا منها ما نعلم أو تقاصرت عقولنا عن ذلك [31].

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن السعادة والهدى في متابعة الرسول، وإن الضلال والشقاء في مخالفته، .. والرسالة ضرورية للعباد لابد لهم منها، وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، والرسالة روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور،.. والعبد ما لم تشرق في قلبه شمس الرسالة، ويناله من حياتها وروحها، فهو في ظلمة وهو من الأموات..، وسمى الله تعالى رسالته روحاً، والروح إذا عدم فقد فقدت الحياة، قال الله تعالى: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا ..... ﴾ [الشورى: 52]، فذكر هنا الأصلين وهما الروح والنور، فالروح الحياة، والنور الرسالة، والرسالة ضرورية في إصلاح العبد في معاشه ومعاده، فكما أنه لا صلاح له في آخرته إلا باتباع الرسالة؛ فكذلك لا صلاح له في معاشه ودنياه إلا باتباع الرسالة؛ فإن الإنسان مضطر إلى الشرع، فإنه بين حركتين حركة يجلب بها ما ينفعه، وحركة يدفع بها ما يضره، والشرع هو النور الذي يبين ما ينفعه وما يضره، والشرع نور الله في أرضه، وعدله بين عباده وحصنه الذي من دخله كان آمنا) [32].



[1] رواه البخاري ج 1 ص 465 رقم 1319.

[2] رواه البخاري ج3 ص 224 رقم 727.

[3] تامة الأعضاء مستوية الخلق.

[4] مقطوعة الأذن أو الأنف أو غير ذلك أي إن الناس يفعلون بها ذلك فكذلك يفعلون بالولود الذي يولد على الفطرة السليمة.

[5] رواه البخاري ج 1 ص 456 رقم 1292.

[6] رواه مسلم ج 4 ص 2047 رقم 2658.

[7] رواه الترمذي ج7 ص 44 رقم 1774 وصححه الألباني: الجامع الصغير ج1 ص863 رقم 8627.

[8] لفضيلة الدكتور محمد راتب النابلسي - موضوعات علمية من خطب الجمعة - الموضوع 242: زيت الزيتون والعلم الحديث. بتاريخ: 1993-05-28

[9] رواه أحمد ج5 ص 364 رقم 23139 - قال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.

[10] رواه مسلم ج1 ص 351 رقم 209.

[11] شرح النووي على مسلم ج2 ص 177.

[12] رواه البخاري ج19ص236 رقم 5759، وصححه الألباني:السلسلة الصحيحة ج3 ص 64 رقم 1077.

[13] فتح القدير للشوكاني ج8 ص 25.

[14] الأدب المفرد للبخاري ج1 ص 71 رقم 173 وحسنه الألباني.

[15] متفق عليه.

[16] رواه البخاري ج11 ص 24 رقم 2007.

[17] رواه الطبراني في المعجم الكبير ج9 ص203رقم 9009 وصححه الألباني: صحيح الترغيب والترهيب ج2ص113رقم1571.

[18] رواه البخاري ج 6 ص 2694رقم 6970.

[19] أبو حامد الغزالي: إحياء علوم الدين ج4 ص 77.

[20] شرح الحكم العطائية ج1 ص 163.

[21] رواه البخاري ج 6 ص 2694رقم 6970.

[22] رواه الحاكم في المستدرك وقال صحيح الإسناد ج2ص576 رقم 3952 وصححه الذهبي في التلخيص، وصححه الألباني: صحيح الترغيب والترهيب ج2 ص 81.

[23] رواه مسلم في صحيحه ج13 ص 301 رقم 4936.

[24] المناوي: فيض القدير شرح الجامع الصغير ج5 ص 421.

[25] الشيخ ولي الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالله الخطيب العمري التبريزي- مشكاة المصابيح مع شرحه مرعاة المفاتيح ج8 ص 53.

[26] رواه مسلم ج13 ص 231 رقم 4953.

[27] محمد علي بن محمد بن علان بن إبراهيم البكري الصديقي الشافعي - دليل الفالحين لطرق رياض الصالحين ج4 ص 172.

[28] الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين - مفتي الديار السعودية - القول المفيد على كتاب التوحيد ج2 ص 160 - دار ابن الجوزي.

[29] القول المفيد على كتاب التوحيد ج2 ص 262 - مرجع سبق ذكره.

[30] علي بن نايف الشحود- المفصل في الرد على شبهات أعداء الإسلام ج7 ص 383.

[31] الشيخ محمد بن صالح العثيمين - عقيدة أهل السنة والجماعة ج1 ص 6.

[32] كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية ج19 ص 93..




شبكة الالوكة


------

سورة التين
🖋الآيات:
{ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (3) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8) }
الأثر الإيماني:

• أقسم الله سبحانه بالتين والزيتون وفيها من الفوائد الكثيرة على الانسان وصحته ولله أن يقسم بما شاء من مخلوقاته أما المخلوق فلا يجوز أن يقسم إلا بالله
• ليس هناك أعدل من الله وأحسن حكماً وقضاء وفصلاً بين العباد فقد خلق فأبدع خلق الإنسان …
• أن الله خلق الإنسان تام الخلق، متناسب الأعضاء، منتصب القامة، لم يفقد مما يحتاج إليه ظاهرًا أو باطنًا شيئًا
• من تمام عدل الله أن يكون هناك بعث وحساب وجزاء وذلك لتفاوت الناس في أعمالهم ومن الظلم أن تتساوى نهايتهم بالموت فقضية البعث بعد الموت لا نقاش فيها
• التعلق بالوحي و الإيمان بالله والعمل الصالح يرفع كرامة العبد في الدنيا والآخرة .
الأثر السلوكي:

• علينا الرضا بالهيئة التي خلقنا الله عليها ونحذر أن يغوينا الشيطان ويزين لك فنقع في تغيير شيء من خلقة الله ولنتذكر وُعوده في قوله تعالى (ولأضلنهم ولأمنينهم ولآمرنهم فليبتكن آذان الأَنْعَام ولآمرنهم فليغيرن خلق الله ….) فلا نكون مصيدة له .. اللهم أعنا
• علينا الإيمان بأن كل نعمة منه سبحانه فضل.. وكل نقمة منه عدل.. وكل ثواب منه فضل.. وكل عقاب منه عدل.. وكل عطاء منه فضل.. وكل حرمان منه عدل.. وكل هداية منه فضل.. وكل ضلال منه عدل.
• وجوب شكر الله على هذه النعم العظيمه
• نجدد إيماننا بالله عزوجل بفعل الأسباب المؤدية لذلك ،
مثل كثرة الذكر ، وتدبر آيات القرآن ، والتفكر في خلق الله ،
ونجتهد في العمل الصالح الخالص لله ، والذي على نهج
نبيه صلى الله عليه وسلم .
• الأخذ بالعدل في جميع أمور حياتنا لتستقيم الحياة وفرق بين العدل والمساواة فمن عدل الله أن فرق بين الذكر والأنثى في الأحكام للفروق بينهما ولو ساوى بينهما ما أنصف
• من قرأ الآية { أليس الله بأحكم الحاكمين} فليقل بلى وأنا على ذلك من الشاهدين..
الحديث:

في البخاري ومسلم من حديث عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود ، في شأن الذي اعترض على قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( فَقَالَ : فَمَنْ يَعْدِلُ إِذَا لَمْ يَعْدِلْ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ) .
• من قرأَ { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ } فليقل بلى وأنا على ذلكَ منَ الشَّاهدين. ومن قرأَ { أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى } فليقل بلى. ومن قرأَ { فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } فليقل آمنَّا باللَّهِ.. حديث حسن
• عن ابي هريرة رضي الله عنه قال قال الرسول صلى الله عليه وسلم ( كلو الزيت وادهنو به فإنه من شجرة مباركة )
• قال النبي صلى الله عليه وسلم : ((إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت)
• قال صلى الله عليه وسلم يقول الله تبارك وتعالى :” أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ” . صحيح البخاري


موقع بصائر
'''''''''''''''''''' '''''''''''''''''''' ''''''


وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (1) وَطُورِ سِينِينَ (2)
وَهَذَا الْبَلَدِ الأَمِينِ (3)
1-" وهذا البلد الأمين "ودع أطفالك ولا تخف أبداأنت قادم إلى البلد الأمين. / عبد الله بلقاسم


لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7)
1- الدين في القرآن يأتي بمعنيين : 1-الحساب والجزاء نحو(مالك يوم الدين)2- الملة والشريعة نحو(إن الدين عندالله الإسلام) (ذلك دين القيمة) وقوله تعالى(فما يكذبك بعد بالدين) يحتمل الوجهين، اي ما يكذبك بالملة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم او ما يكذبك بالجزاء يوم القيامة / محمد السريع
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)
1-مهما اجتمع في اﻹنسان من حكم وحكمة فلن يعدو كونه حكما زائلا،وحكمة ناقصة تدفعها مؤثرات بشرية،أما حكم الله فكما قال(أليس الله بأحكم الحاكمين). /سعود الشريم
2-" أليس الله بأحكم الحاكمين "عن جابر قال: سمعت النبي قبل موته بثلاثة أيام يقول(لا يموتنّ أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله عز وجل)رواه مسلم" / بلال الفارس
3- ﴿ أَلَيْسَ ٱللهُ بِأَحْكَمِ ٱلْحَٰكِمِينَ ﴾ . ومن عدله أن يقيم القيامة، فينتصف للمظلوم في الدنيا ممن ظلمه. / روائع القرآن



حصاد التدبر










06-02-2022
#2  

افتراضيرد: تأملات في سورة التين

حبيتى بارك الله فيكى



06-04-2022
#3  

افتراضيرد: تأملات في سورة التين

بارك الله فيكِ ؟ ... جزاكي الله خيرًا





الكلمات الدلالية (Tags)
التين, تأملات, صورة, في

أدوات الموضوع

الانتقال السريع

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
طريقة عمل عصير التين الشوكي بالخطوات,طريقة تخزين التين الشوكي,تقشير التين الشوكي,طريقه تفريز التين وردة مشروبات وعصائر طبيعية ومثلجات 10 04-21-2019 12:06 AM
طريقة عمل مربى التين في المنزل,كيفية تحضير مربى التين فى البيت لحشوات سندويتشات المدارس ام يوسف أكلات وأطباق من عالمك 5 04-19-2019 03:33 AM
سورة التين مكتوبة بنت الصعيد القرآن الكريم 0 03-14-2019 06:00 AM
تأملات تدبرية من سورة النساء ساحرة الجنوب القرآن الكريم 0 11-13-2018 03:09 AM
قصر رأس التين بالإسكندرية , هل يمكن زيارة قصر راس التين , قاعة راس التين بالاسكندرية للافراح همسة حنين السياحة والسفر والرحلات والسفارى 2 04-21-2018 06:10 PM


الساعة الآن 05:33 PM.


Powered by vBulletin Version 3.8.8 Alpha 1
Copyright ©2000 - 2022, Jelsoft Enterprises Ltd Trans
new notificatio by 9adq_ala7sas
User Alert System provided by Advanced User Tagging (Lite) - vBulletin Mods & Addons Copyright © 2022 DragonByte Technologies Ltd.

خيارات الاستايل

  • عام
  • اللون الأول
  • اللون الثاني
  • الخط الصغير
  • اخر مشاركة
  • لون الروابط
إرجاع خيارات الاستايل